الميرزا القمي
10
رسائل الميرزا القمي
فاتّفق أن طلب منه أهل قمّ الإقامة في بلدهم ، وأجابهم إلى ذلك وتوطّن فيها ودرّس فيها وألّف كثيرا من كتبه ليتحسس هذه المرّة الام الأمّة وما يصيبها من جراء تسلّط الحكّام الظالمين . المشخّصة الثانية : وهي جدّه وجهده في طلب العلم والتفكر والتعمّق في المسائل الأصولية والفقهية وغيرها ، فقد قيل : إنه كان يطالع ويدرّس مضربا عن الدنيا حتى النوم لأنّه كان ينام على السراج بعد أن يضع عليه إناء فيكتحل من النوم بمقدار ما يسخن الإناء من حرارة وحج السراج ، وعندها لا يطيق وضع يده عليه فيستيقظ ويستمرّ بالمطالعة والكتابة . حتى إذا أتمّ كتاب القوانين المحكمة أصيب من جراء شدّة تعمّقه وتفكّره بثقل السمع ، ولما جيء بالكتاب إلى السيد مهدي بحر العلوم في النجف الأشرف ورآه وأحاط خبرا ببعض مطاويه ولم يعلم من هو مصنّفه قال لمن جاء به : يا هذا لاحظت هذا الكتاب ولم أدر ممّن هو إلّا أنّ صاحبه قد أصيب ببعض مشاعره لا محالة ، أم لا بد له من آفة تنزل على سمعه أو بصره . فقيل له : بلى إنّه من تأليفات مولانا الميرزا القمّي وقد أصيب بعد فراغه منه بثقل السامعة كما بيّنّا ، فتعجّب الحاضرون من فراسة السيد . ولعلّ وعورة العلم وكثرة التوغّل فيه هو سبب آخر لتأوه الميرزا وتألّمه ، فإنّ من المجرّب أنّ كثرة التوغّل في ذلك يجعل صاحبه يتسأم من كلّ ما يعيقه عن طلبه ويحده من المبالغة فيه ، بل يتنفّر حتى من الأمور المعاشية العائقة عن ذلك . المشخّصة الثالثة : وهي إعراضه عن الدنيا بعد إقبالها عليه وشدّة اعتقاده . لأنّه لمّا دخل بلدة قمّ بعد طلب من أهلها واستقر فيها ، وأخذ بالتدريس والتأليف حتى أصبح من كبار المحقّقين ، توجّهت إليه الناس واشتهر أمره ، وطار ذكره في البلدان ، ورجع إليه بالتقليد ، واستقلّ بالزعامة الدينية ، أيّام السلطان فتح على شاه القاجار الذي أخذ يعظّم الميرزا أشدّ تعظيم ، ويجلّه أكبر إجلال ، كما كان يكثر من زيارته والكلام معه . غير أنّ الميرزا لم يكن ليرى في هذه العلاقة سوى أنّها فرصة لنصح السلطان ووعظه من دون أدنى ملاحظة أو مساومة ، فكان يأخذ لحية السلطان بيده وهي طويلة تجوز محزمه ويقول له : احذر أن تعمل ما يؤدّي إلى أن تحرق لحيتك هذه يوم القيامة ، وإذا دخل معه الحمام وسلخا عنهما ثيابهما قال له : هكذا تحشر يوم القيامة فانظر ما ذا ستصحب معك عن الأعمال . ويبقى عند ذلك على أشد الحذر من الاقتراب من السلطان ومن أعوانه أكثر فأكثر ، بل يحاول